مقدمة كتاب

تفصيل الآيات، في بيان أحكام المشاهد الصالحات

قال شمس الزمان سيف الله الصقيل الشيخ الإمام د. طارق السعدي حفظه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين الأحد الصمد، لم يَلد ولم يُولد ولم يكن له كفوًا أحد، أحمده أنْ خلقَ الناس مفتقرين لعبادته الخالصَة وفق شَرعه المعتمد، وأنعمَ علينا بالهدى فقمنا على الحق نمشـي في مناكب الأرض ولا نرى التأثير لغيره في شيء من الحوادث موحدين له في فيوض الغوث والمدد، فلك يا ربنا الشكر الطيب المبارك على وجه تقديس لا يحصيه عدد! والصلاة والسلام على سيد ولد آدم وأعظم الخلق أجمعين، الرحمة المهداة والمبعوث رحمة للعالمين، عبد الله ورسوله النبي محمد المصطفى الأمين، وعلى آله المطهرين وصحبه وخلفائه وورثته الصالحين.

وبعد: فقد أطلق بعض الإخوة استغاثة لبيان الحق والنصح والتوجيه في شأن " المَشَاهِد الإسلاميَّة: قبور ومقامات أولياء الله تعالى الصالحين رضي الله تعالى عنهم "؛ إذ انتهجت فِرقةٌ من الأمة بدعةَ إنكارها، ودأبت على التعرض لها، ومعادات أصحابها وطائفتهم! بيد أنها قد استفادت من أحوال الأمة العلمية والاقتصادية لحشد صفوفها؛ فالأمة واقعة في " فتنة الدنيا " الصَّارفة عن العلم الشـرعي فضلا عن التحقُّق به، وتتقلب منذ زمن في الجهل والغفلة عن الحقِّ، سواء على صعيد العامة أو كثير من الخاصة، حتى صار الحق وبعض ما لا خلاف عليه منه غريباً بينهم؛ مصداق قول سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: « إِنَّ الإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا »، وحتى هان أمر الدين بينهم فصار كل منهم يَحْسَب نفسَه عاقلاً له ( باعتبار أنه قادرٌ على فهمٍ لمعنًى ما وقف عليه منه! ) فلا يتقيّد بالأصول، ولا يقِرّ المعاني الأخرى للمنقول والمعقول، فضلا عمن أنزل الدين على هواه، ومن صارت أحكامُه عنده عادة لا يدركُ مستندَها! والمغرقة لها في بحر الحوائج الشخصية التي يرجع بعضها إلى قوت اليوم!

وتلك الفرقة تملك مواردَ حاجة المفتونين من الأمة، ولا أقول الاقتصادية التي باتت على رأس همومهم فحسب، بل والعِلميَّة ( بما ابتنى عليه منهجُها من الركاكة ) المتناسبة مع حالهم، فاستفادت من كِلا الجهلِ والغفلةِ علميًّا، والحاجةِ اقتصاديًا، لحشد الناس معها وتغريرهم بمذهبها، ومنه: البدعة التي نستغاث لبيان سبيل المجرمين فيها، بناء على قول الله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ﴾[الأنعام:55].

وإنما استفادوا من الجهل والغفلة: في تغرير الناس بالمتشابهات التي اتبعوها؛ لأنهم يريدون أتْباعاً ملتزمين، والمسلم بهذا الاعتبار لا يمكن حمله على ذلك دون مُسْتَنَدٍ مِن الشريعة ( ولا أقول " مستند شرعي "؛ لأن المتشابه يكون من الشريعة لكنه ليس مُستَنَدَ الحكم المزعوم، أو ليس دالاً على ذلك الوجهِ من الفَهم )، وما الظن بجاهل أو غافل يلقى عليه نصوصا من الحق ملبسة بالباطل؟! بل ما الظن وفتنتهم مؤيدة بما يتتبعونه من أخطاء وتجاوزات متشابهة يقوم بها البعض تجاه المشاهد، لاسيما وهم يستغلون ذلك مع إضافات من أكياسهم المنتَّنة بوقوعهم في أعراض المؤمنين على قدم التهويل، لإنكار مشروعية المشاهد لا لمؤاخذة المخطئ، تماماً كما يفعل أعداء الإسلام من خلال التنفير عنه لمنكرات يأتي بها المنتسبون إليه، فمَثَلُهُم كمَثَلِ الذي ينكِر الصَّلاة لِمَا أحدَثَه فيها جاهلٌ أو مُبْتَدِع؟!

وأفادتهم الحاجة الاقتصادية خاصَّة في تغرير الناس باتِّباعهم؛ إذ النفوس مفطورة على محبة ذلك أصلا، فكيف إذا كان حاجةً وضرورةً، لاسيما مع تَوَهم رفع عائق التقوى بما وقع التغرير فيه مما يُظن أنه حق أو يُهوى؟! فلا يخفى، أن أهواء النفوس المحتاجة مع ضعف العلم الرادع وقيام التخريصِ مقامه لا يشكل عاصفةً على المحل فحسب، بل إعصاراً شديداً يحمله على اتجاه خاص حتى لا يكاد يرى سواه! فيُحْكَم إقفال أبواب القلوب، خلا الباب الموصل إلى المرغوب! ﴿ وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَسْمَعُواْ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ ﴾[الأعراف:198]!

﴿ وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ الذين هم في المقام: العوام الجاهلين، الذين يشـركون أهواءهم في طلب الحق ﴿ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ ﴾ الذي هو في المقام: قتل قلوبهم ﴿ شُرَكَآؤُهُمْ ﴾ الذين يفتنونهم بالباطل ﴿ لِيُرْدُوهُمْ ﴾ في ظلماتهم ﴿ وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ ﴾ بالمتشابهات والظنون والأهواء الضالة ﴿ وَلَوْ شَاء اللهُ مَا فَعَلُوهُ ﴾ ولكنه قَدْ سَنَّ الاجتهادَ في طلب الحق ﴿ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾[الأنعام:137].

علمًا أن معرفة ضلال تلك الفرقة لا تحتاج أكثر من الاجتهاد البسيط الذي يقدر عليه من له أدنى حظ من العقل، ولسوف أنبه على شيء مفيد في الباب خلال البحث بإذن الله تعالى، لكني استبق ذلك هاهنا، فأشير إلى أمرين عامَّين يمكن للعامي فضلا عن غيره الاستفادة منهما لمعرفة الحق:

الأول: أنها تدَّعي: القِيام على الكتاب والسنة حكماً، فتُطيح بكل أحكام علماء أهل السنة والجماعة، بينما تدعي الاسم لها، وربما تنتسب إلى بعضهم تُقْيَة فيما يحلو لها! وكفى بهذا خِزي؛ فإنه يقتضـي أن علماء المسلمين السابقين من خير القرون وما تلاها، ممن يُشْهَد لهم بعلو القَدْر: كانوا يحكمون للناس بالظن والهوى! فضلاً عن كونهم إنما يدعون ذلك القيام: اتقاء لمعرفة الناس بحالهم؛ إذ لا يُنْكَر على أحد يَدَّعي القيام على ذلك، بينما لو أنهم انتسبوا للعلماء المبيِّنِيْنَ للحق لانكشفوا سريعًا، فيَسْتَغِلّوْنَ: جَهْلَ العَامَّةِ بِأصُوْلِ عِلْمِ الأحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ مَصَادِرِهَا المَرْعِيَّةِ ( حيث أنهم إذا سمعوا نصًّا لا يعلمون إلا أنه وارد، بينما قد يكون منسوخا أو مخصوصا أو مبيَّنا .. الخ بنصوص أخرى غائبة عنهم، بينما تخفيها تلك الفرقة الزائغة عنهم عمدًا أو تخفي ثبوتها _ من خلال ادعاء ضعفها إن كانت خبرًا، في تَعَدٍّ صارخ على حرمة أئمة الأمة المقَدَّرِين الذين بيَّنوا صحتها _، أو تخفي حكمها بالتلبيس! وربما تستدل بنص في المشركين على المسلمين كما هو الحال في قضية هذا الكتاب، على ما سيأتي تفصيله بإذن الله تعالى )، وَجَهْلَهُمْ بِقَدْرِ عُلَماءِ أَهْلِ السُّنَّةِ فيْ العِلْمِ والقيام على المَذّاهِبِ السُّنِّيَّة؛ لفتنتهم بمذهبهم، حتى أن مثلهم يكون في بعض ذلك: مثل من يقول للناس "الصلاة حرام" لقول الله تعالى: ﴿ ويل للمصلين ﴾؛ إذ أخفى عليهم تتمة الخطاب المبيِّن لمُتَعَلَّق التهويل وحُكمِه: ﴿ الذين هم عن صلاتهم ساهون ﴾ .. الخ الآيات.

الثاني: أنها تدعي موافقة السَّلف الصالح اتِّبَاعًا، فتُطيح بكل الصالحين الذين ليس في كلامهم مساغ للتلبيس بمنهجهم، حتى أنهم أعرضوا عنهم من خلال اختزالهم بأفرادٍ معدودين، هم على التحقيق ليسوا سلفاً لهم! وهذا لا يقل خِزيًا عن الأول؛ لما يلزم منه من اتهام للسلف الصالح الذي أعرضوا عنه بالضلال، فضلاً عما فيه من افتراء على من صح نقلهم عنه من السلف الصالح! ولسوف يظهر بيان سلفهم الفعلي في مسائل هذا الكتاب بعون الله تعالى.

ولما لم تكن تلك البدعة النكراء وليدة اليوم، وكان لكثير من علماء أهل السنة والجماعة مباحث وردود خاصة في مسائلها، رأيت أن لا أتعرض في هذا المكتوب لنقل أقوال العلماء التي يحتاج ذكر أسماء قائليها دونها إلى كتاب خاص، بينما يمكن طلبها في المباحث المعنية! وإنما قد توكلت على الله الفتاح العليم لغوث المستغيثين في بيان الآيات الشرعية لمسائل هذه القضية، وما تقتضيه أصولُ العلم من تفصيل في الدلالة والأحكام والتقارير المرعية.

ولتفصيل الآيات بناء على قول الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾[الأنعام:153]، ﴿ وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا، كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾[آل عمران:103]، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾[النساء:59]، أقول مُستعينًا بالله تعالى استعانةَ من لا حول له ولا قوة إلا به: